أبي منصور الماتريدي

240

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

عرض القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة ؛ لتمام الضبط ، ودقة التجويد وحسن الأداء ، وعرضه بعد ذلك ثلاث مرات ؛ طلبا لتفسيره ومعرفة ما دق من أسراره ، وخفي من معانيه ، كما تشعر بذلك ألفاظ الرواية « 1 » . ومما يدل على ذلك - أيضا - ما قاله حبيب بن أبي ثابت : « اجتمع عندي خمسة : طاوس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، وعطاء ، فأقبل مجاهد وسعيد بن جبير يلقيان على عكرمة التفسير ، فلم يسألاه عن آية إلا فسرها لهما ، فلما نفد ما عندهما ، جعل يقول : أنزلت آية كذا في كذا ، وأنزلت آية كذا في كذا » « 2 » . ومما يدل على ذلك - أيضا - ما قاله ابن عباس نفسه عن عطاء بن أبي رباح : « تجتمعون إليّ يا أهل مكة وعندكم عطاء ؟ ! » « 3 » . وهذا إن دل على رواية عطاء ، فإنه يدل كذلك على علو قدمه ورسوخها في تفسير القرآن الكريم ، حتى إن ابن عباس - وهو حبر الأمة وترجمان القرآن - يستنكر على أهل مكة اجتماعهم عليه وبين أظهرهم عطاء بن أبي رباح . وخلاصة القول : إن المدرسة المكية كانت تعتمد على الرواية في التفسير ، فمثل ما روى الصحابة عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم التفسير ، فقد روى أصحاب المدرسة المكية عن صحابة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وبالأخص عن ابن عباس رضي الله عنهما . هذا ، ولم تقتصر روايتهم عن ابن عباس والصحابة وحسب ، بل إنهم رووا عن أهل الكتاب مثلما فعل سلفهم ، لكنهم توسعوا حتى روى الذهبي في ميزانه أن أبا بكر بن عياش قال : قلت للأعمش : ما بال تفسير مجاهد مخالف ؟ أو ما بالهم يتقون تفسير مجاهد ؟ كما في رواية ابن سعد قال : كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب « 4 » . لكن ينبغي ألا يتوهم من هذه الرواية أن أصحاب هذه المدرسة لم تكن لهم ضوابط في النقل عن أهل الكتاب ، كلا ، فلقد كانوا لا يروون إلا ما يعتقدون صدقه ، ولم يخالف بيّنا مما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وكيف لا يتحرون الدقة في الأخذ عن أهل الكتاب ، ورأس مدرستهم ابن عباس - رضي الله عنهما - شدد النكير على من يأخذ عنهم أو يصدقهم فيما

--> ( 1 ) ينظر : د / الذهبي : التفسير والمفسرون ( 1 / 106 ، 107 ) . ( 2 ) مقدمة فتح الباري ص 450 . ( 3 ) التفسير والمفسرون ( 1 / 115 ) . ( 4 ) السابق ( 1 / 107 ) .